آخر تحديث:- منذ 34دقيقة
الأربعاء 20 أكتوبر-تشرين الأول 2021

المجلس الأوربي للعلاقات الخارجية: مفارقة مأرب...كيف ازدهرت المحافظة في خضم الحرب اليمنية؟

الجمعة 13 يوليو-تموز 2018 الساعة 10 مساءً / ترجمة خاصة بموقع محافظة مأرب - علي السكني

المادة ترجمها موقع محافظة مأرب نقلا عن   المجلس الأوربي للعلاقات الخارجية للصحفي الأمريكي آدم بارون

 

الملخص

-لقد شهدت محافظة مأرب في اليمن تحولاً ملحوظاً من محل صراع إلى منارة مستقرة نسبيا حتى مع استمرار الحرب في اليمن والتي لا تبعد كثيراً عن مدينة مأرب.

- يكمن العنصر المحوري لهذا التطور في قيادة محافظة مأرب بقيادة الشيخ سلطان العرادة الذي استفاد من اللامركزية التي كان من المفترض أن تشكل جزء من عملية الانتقال السلمي بعد الثورة لكن ذلك لم يسجل الا نجاحاً متفاوتاً.

 

- أتاحت الاستقلالية التي اكتسبتها مأرب حديثاً الاحتفاظ بجزء من ثرواتها من الموارد الطبيعية وتطوير البنية التحتية وتوسيع الخدمات الحكومية بما في ذلك دفع رواتب موظفي الدولة بشكل منتظم ودعم نظام قضائي فعال.

-يمثل نظام اللامركزية بهذه الطريقة بقيادة محلية درسًا جوهرياً للأطراف الدولية الفاعلة والمهتمة ببسط الاستقرار والسلام في اليمن.

-على الأوروبيين العمل على تعزيز الاستقرار في مأرب بالتزامن مع تطبيق نموذجها في أماكن أخرى من اليمن وربط جهودهم بتلك التابعة للأمم المتحدة والتعاون في نفس الوقت مع الشركاء الإقليميين والدولي.

 

المقدمة

  لو كنت تعيش في مأرب – و قد نجوت من الصراع الأخير الدائر في محيطها - لشاهدت أحد أكثر المحافظات اليمنية اضطراباً تتحول بشكل مثير الى المحافظة الأكثر استقراراً. ليس هذا فحسب بل قد تتفق أن مأرب تزدهر اليوم، فأعمال البناء منتشرة في كل مكان بالمدينة كما يتم تشييد ملعب كرة القدم جديد بعشب ألماني فاخر وفقاً لمعايير الفيفا، إضافة الى انتقال أعمال ومشاريع تجارية من جميع أنحاء اليمن الى هنا ، كما توجد جامعة جديدة تضم 5000 طالب ولديها خطط للتوسع بشكل أكبر.

 

وبرغم اندلاع معارك ضارية في مأرب سابقاً - والتي لاتزال مستمرة في مديرية صرواح غربي المحافظة - إلا ان قوات الحوثي تراجعت من عاصمة المحافظة وغيرها من مناطق اخرى عام 2015. وتمكنت السلطات المحلية في الفترة التي أعقبت ذلك وبمساعدة من الدول الإقليمية الفاعلة وعلى الأخص المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في إعادة الاستقرار النسبي للمحافظة .حيث برزت مأرب كمركز اقتصادي واجتماعي وسياسي جديد وهو أمر غير مسبوق في تاريخها الحديث حيث كانت سابقاً من أكثر المحافظات اليمنية اضطراباً .وسيخبرك الكثير من أبناء مأرب بفخر أن المدينة استعادت جزء من مكانتها التاريخية بعد قرون من التهميش، حيث كانت مأرب في يوم من الأيام مقراً لمملكة سبأ ، أحد أهم المراكز العربية القوية والمتحضرة قبل الإسلام.

 

ولا تزال آثار الحرب باقية حيث يظهر الدمار في العديد من مباني المدينة نتيجة المعارك في وقت لا يزال المستشفى الرئيسي مليئًا بالمرضى الذين فقدوا أطرافهم إما بسبب المعارك أو الألغام الأرضية التي خلفها الحوثيون وحلفاؤهم. وبرغم استمرار المعارك على الحدود بين محافظة مأرب والعاصمة اليمنية صنعاء، إلا ان الأمور اتجهت في صالح مأرب على النحو الذي لم يحدث بالنسبة لبقية المحافظات اليمنية الأخرى. حيث يميز مأرب عدد من الأشياء التي تنفرد بها عن غيرها مثل ثرواتها الطبيعية ومؤسسات السلطة المحلية المستقرة والدعم المقدم من قبل الدول الفاعلة في التحالف مثل المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص. وفي ضوء ذلك، فإن تجربة مأرب تحمل دروساً واسعة لمستقبل اليمن مثل تطبيق نظام اللامركزية وتمكين الأطراف المحلية والتركيز على تحقيق الاستقرار على الأرض وكلها مسارات للقصة التي يجب الاهتمام بها من قبل الأطراف الدولية والمحلية المهتمة بإحلال السلام والاستقرار في اليمن.

 

إرث الحرب

شهدت اليمن في عام 2011 انتفاضة واسعة ضد الحكومة التي اندلعت نتيجة الاحتجاجات التي أطاحت بالزعماء الذين حكموا لفترات طويلة في تونس ومصر ، حيث قامت الانتفاضة وسط حالة من عدم الاستقرار في اليمن التي شهدت احتجاجات في جميع أنحاء البلاد إلى جانب توترات شديدة داخل مؤسستها السياسية والأمنية. وقد تطورت أخيراً الاحتجاجات الأولية المنتشرة في جميع انحاء البلاد إلى مظاهرات استمرت قرابة العام ضد الرئيس علي عبد الله صالح حيث ضمت ناشطين وشباب مستقلين لم ينخرطوا من قبل في العمل السياسي ومناصري الحوثيين وكتلة المعارضة اليمنية والمنشقين من حزب المؤتمر الشعبي العام ومؤيدي الانفصال في الجنوب. لكن الحركة الاحتجاجية كانت تمزقها توترات تاريخية بين مكوناتها بما يتجاوز الهدف المشترك المتمثل في إسقاط صالح.

 

وقد تعمقت هذا التوترات في أعقاب التوقيع على اتفاق نقل السلطة برعاية خليجية وبدعم من الأمم المتحدة بين حزب المؤتمر الشعبي العام وأحزاب المعارضة والذي نص على تخلي صالح عن السلطة لنائبه السابق عبد ربه منصور هادي الذي كان سيترأس فترة انتقالية مدتها سنتان.

 

وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتوحيد الأطراف خارج الاتفاق ضمن العملية السياسية– وبالأخص من خلال مؤتمر الحوار الوطني الذي أقيم كجزء من اتفاق نقل السلطة- إلا ان الاحداث خارج الفترة الانتقالية سرعان ما تجاوزت العملية الانتقالية الجارية . وفي الجنوب – والذي كان دولة مستقلة حتى عام 1990 – أدت حالة الرفض لمركزية صنعاء إلى دعم علني للانفصال. في الوقت نفسه ومع استمرار عملية الحوار الوطني، خاض الحوثيون في الشمال سلسلة متواصلة من المعارك مع خصومهم القبليين والعسكريين بالقرب من صنعاء قبل أن يسيطروا عسكرياً على العاصمة في خريف 2014 .

 

وبعد تعزيز الحوثيين لقوتهم قاموا أخيراً بخلع الرئيس هادي .لكن بعد إفلات هادي من الإقامة الجبرية والتراجع عن استقالته أقدم الحوثيون وحلفاؤهم - العسكريون التابعين للرئيس السابق صالح – على نقل المعركة إلى مقر هادي الجديد في عدن وذلك باستخدام سلاح الجو اليمني لقصف موقعه وإجباره على مغادرة البلاد. هذا بالإضافة إلى قرار الحوثيين تنفيذ مناورات عسكرية على طول الحدود السعودية وتوقيع اتفاق بتسيير رحلات مباشرة بين صنعاء وطهران والتي هي من ضمن أسباب أخرى دفعت التحالف بقيادة السعودية إلى شن تدخل عسكري في اليمن .وبرغم إخراج الحوثيين من معظم الأراضي التي استولوا عليها في البداية فإنهم لايزالون مسيطرين على صنعاء بينما الرئيس المعترف به دوليًا - ومعظم الوزراء – لازالوا خارج اليمن.

 

إن قدرة المؤسسات الحكومية ومرونتها تتفاوت بشكل كبير في مختلف ارجاء البلد. ففي المناطق التي تقع تحت سيطرة الحوثي بقيت مؤسسات الدولة موجودة في الغالب لكن تم إضعافها بسبب الأزمة المالية والقوة المتصاعدة للمؤسسات الموازية التي استحدثها الحوثيون. 

 

وكانت الركيزة الرئيسية للعملية الانتقالية بعد الثورة في اليمن هي الانتقال إلى نظام حكم اتحادي محلي. حيث كان المحللين والدبلوماسيين على حد سواء - سواء داخل المجتمع الدولي أو داخل اليمن نفسه - يربطون غالبا بين نظام الحكم المركزي السابق في البلاد وبين الفساد المتفشي والوضع الأمني المتفاوت والتوترات الداخلية والتي أعقبت انتصار القوات المؤيدة للوحدة في الحرب الأهلية عام 1994 . وقد أدت التعديلات المركزية على الدستور الى تركز قوة صالح في أيادي دائرة ضيقة من الحلفاء ونظام واسع من المحسوبية والذي كان مرتبطاً بشخصيات قبلية وسياسية بارزة. وتسبب هذا بدوره إلى تعميق مشاعر الاستياء بين العديد من اليمنيين الذين شاهدوا الطبقة الغنية يزداد ثراها فيما لايزال بقية الشعب يعيش في حالة فقر وتخلف لا سيما خارج صنعاء. وقد كان هذا صحيحًا بالأخص في محافظات مثل مأرب وحضرموت وشبوة التي ظلت فقيرة وعانت من ضعف في البنية التحتية.

 

وبعد انتفاضة عام 2011 ، عادات النقاشات حول النظام الاتحادي الى الواجهة مجدداً مع وجود العديد من المنظمات والدبلوماسيين (خصوصاً الغربيين) الذين كانوا يدفعون بشكل علني نحو التحول إلى الفيدرالية . وكان الكثير من اليمنيين يعتبرون الحديث عنها بمثابة تمهيد الطريق لتمزيق البلاد. لكن في نهاية المطاف أفضت مخرجات الحوار الوطني المدعوم دولياً بقرار تأسيس نظام اتحادي.

 

وكان النظام الاتحادي الجديد محل جدل منذ البداية. فبرغم موافقة الوفود المشاركة في الحوار الوطني عليه إلا أنهم فشلوا في الاتفاق على عدد وطبيعة التقسيم. ولحل تلك الاشكالية فوضت الوفود الرئيس هادي بتعيين لجنة خاصة للبت في القضية والتي توصلت بشكل سريع إلى قرار بتقسيم محافظات البلاد إلى ستة اقاليم اتحادية . وقد اعترض آنذاك العديد من المراقبين على الطريقة التي تم بها التوصل إلى الاتفاق بحجة تمريرها من قبل هادي بطريقة غير ديمقراطية. كما اعترض آخرون على الطريقة التي قسمت بها البلاد .فقد انتقد محللون يمنيون وضع معظم المحافظات الزيدية ذات الأغلبية الشيعية في البلاد ضمن اقليم واحد يعاني من فقر في الموارد كما ويفتقر إلى ميناء كدعوة محتملة للصراع .كما انتقدوا التجمعات السكانية غير المتكافئة للأقاليم المختلفة. فقد أدان الحزب الاشتراكي اليمني وحركة الانفصال الجنوبية تقسيم الجنوب المستقل سابقاً إلى إقليمين .آخرون ممن كانوا يضمرون الشكوك لفترة طويلة حول الفيدرالية اتهموها كجزء من مؤامرة شريرة لتقسيم البلاد وإضعافها.

 

ومع ذلك كان يُنظر إلى النظام الجديد في مناطق كثيرة في البلد باعتباره وسيلة ممكنة لحكم أكثر عدلاً. وقد كان هذا صحيحًا خصوصاً في الإقليم الجديد "سبأ" الذي يضم محافظات البيضاء والجوف ومأرب. حيث رأى ناشطون ومسؤولون محليون في مأرب الوضع الجديد كوسيلة للحصول على آلية للاستفادة من ثروة الموارد في المحافظة الفقيرة والتي كانت تذهب من قبل إلى الحكومة المركزية حيث ظهر هذا الحماس من خلال اساليب متنوعة في البداية. وقد قام شباب ناشطين من مأرب والمحافظات المجاورة - وكثير منهم شاركوا في ثورة 2011 - بحشد مجموعات بهدف الضغط سياساً، وهو ما كان يقابله تحركات يقودها المجتمع المدني والاحزاب السياسية لنقل الحراك الجديد في العاصمة إلى المحافظات ورؤية النظام الاتحادي الجديد كوسيلة لتحقيق تطلعات طويلة الأمد وتحقيق مزيداً من التنمية والديمقراطية معتمدة على نشاط المجتمع المدني الوليد الذي سبق إقالة صالح من السلطة.

 

وظلت العملية رغم ذلك محل ركود إلى حد كبير بعد انتهاء مؤتمر الحوار الوطني. وقد تجاوزت الفترة الانتقالية مدتها النظرية والتي كانت عامين وتفاقم الاستياء بسبب الوضع الاقتصادي والصراع المتزايد على السلطة في شمال البلاد. و بغض النظرعن التوقعات الكبيرة إلا ان النظام الاتحادي الجديد فشل في الانتقال بشكل ملحوظ من على الورق إلى أرض الواقع. حيث كان الحديث كثيراً حول هذا الموضوع له تأثيرًا عكسيًا مما أدى إلى تعميق القلق الموجود مسبقًاً حول الفيدرالية وتفويت فرصة لجذب الانتباه إلى الطرق التي يمكن للبلد ككل الاستفادة منها للتحول إلى نظام حكم محلي لامركزي ذو فاعلية أكثر.

 

بروز العرادة

برزت مأرب باعتبارها المكان الوحيد الذي حققت فيه اللامركزية بعض النجاح في حين تغرق معظم أنحاء البلاد في الصراع . يقول جزء من التاريخ ان محافظة مأرب اكتسبت أهمية جديدة مع اكتشاف النفط في الثمانينيات وافتتاح مصفاة مأرب عام 1986. لكن المحافظة نفسها لم تشهد سوى القليل من الخدمات رغم ارتفاع نسبة استخراج النفط والغاز من مأرب لغرض توفير نسبة كبيرة من الايرادات للحكومة المركزية. وبرغم ذلك ظلت مأرب فقيرة ومتخلفة في وقت كانت المؤسسات الحكومية أضعف من أن تتمكن من إعادة أي من هذه الثروة بما يعود للنفع على المحافظة. ونمت المحافظة طوال تلك الفترة بصورة سيئة حيث ظهر فراغ أمني سهّل لعمليات التقطع وانتشار الجماعات المتطرفة .

 

وفي أعقاب انتفاضة 2011 سيطرت شخصيات في مأرب على الحالة السياسية الناشئة بهدف الضغط من أجل التغيير في المحافظة وكان من بينهم محافظها الحالي الشيخ سلطان العرادة الذي ينتمي الى أحد العائلات البارزة في مأرب "قبيلة وادي عبيدة" وكان أحد اعضاء البرلمان سابقاً . وقد عينه الرئيس هادي محافظا لمحافظة مأرب عام 2012 م بعد قضاء ما يقرب العقد من الزمن بعيداً عن الساحة السياسة بعد الانشقاق عن الرئيس السابق صالح. و لم يكن العرادة من مواطني المحافظة فحسب ، بل كان مقيماً في مأرب منذ وقت طويل بدلا عن صنعاء ، وهو الشيء الذي ساعده لبناء الشرعية على الأرض من خلال مهارته في حل النزاعات القبلية. وقد منحته درايته بالنظام القبلي لمأرب الشرعية المحلية حيث سمح له هذا في تقديم نفسه لناخبيه بصورة مقربة بعكس الشخصيات المحلية الأخرى التي سبق وأن أمضت الكثير من وقتها في العاصمة، وبعكس المسؤولين في الحكومة الحالية المعترف بها دوليا الذين يمضون غالب الوقت خارج البلد.

وقد برز العرادة قائداً للجهود الرامية لمنع الحوثيين من السيطرة على مأرب بعد استيلاءهم على صنعاء في سبتمبر 2014 . وكان هذا الموقف المناهض للحوثيين يتماشى مع موقف النخب المهمه في المحافظة حيث لم تكتف معظم الشخصيات البارزة في مأرب بمعارضة محاولات الحوثي للتوسع هناك فقط بل تصدت لها، ومن بين هذه النخب حلفاء تاريخيين لصالح مثل الشيخ عبد الواحد القبلي نمران رئيس فرع حزب صالح في مأرب .وقد تصاعد هذا الدور العسكري في أعقاب إطلاق قوات التحالف بقيادة السعودية عملية عاصفة الحسم في مارس 2015 ، حيث أصبح العرادة شخصية رئيسية في مساعدة وتسهيل الجهود العسكرية ضد الحوثيين اعتماداً على خلفيته العسكرية ومعرفته العميقة بالنسيج القبلي والمجتمعي في المحافظة.

 

كما يوجد سبباً آخر لنجاحه الأخير هو أنه أختار الانخراط في ممارسة السلطة بشكل حاسم بعد تحرير معظم محافظة مأرب من الحوثيين عام  2015 بعكس زعماء آخرون اختاروا القتال ضد الحوثيين.وقد جدد العرادة الالتزام بتنفيذ رؤيته من موقعه كمحافظ في حين انسحب آخرون من المشهد أو استمروا في القتال في مكان ما أو وقعوا ضحية للمناورات السياسية. ومنذ ذلك الحين ، لم يكن تركيزه الأساسي على استعادة الاستقرار فحسب بل أيضاً على إعادة هيكلة علاقة مأرب سابقا مع الحكومة المركزية مستفيداً من بقاء الحكومة الحالية في الخارج ،وكان يهدف أيضاً لضمان قدر من الاستقلالية داخل الحكومة المؤقتة ، بالإضافة إلى المضي قدماً بالخطة المالية اللامركزية التي ضمنت لسلطته حصة مباشرة من ثروة الموارد الطبيعية في المحافظة. وقد تم تسهيل ذلك من خلال تطبيق خطوات اللامركزية بما يتماشى مع تلك التي تم التوافق عليها في إطار مخرجات الحوار الوطني. وعلى نحو فريد فإن هذا التقدم ممكن تحقيقه نتيجة الصراع الحالي مع وجود معظم المراكز المتحضرة في اليمن اما محتلة من قبل الحوثيون أو غارقة في صراع سياسي أو عسكري لذلك فقد انتقلت مدينة مأرب من كونها بلدة مهمشة إلى مركز حضري مهم.

 

وتقدم سياسات العرادة دروساً لصالح بقية البلاد لاسيما فيما يتعلق بالشكل الذي ستتخذه اليمن في الأخير بعد التسوية السلمية. وقد أتاحت إعادة تنظيم قوات الأمن بمستوى غير مسبوق من الأمن في المدينة وحتى في العديد من المناطق الريفية. كما زادت السياسات الحالية من الثقة في القطاع الأمني من خلال استقطاب المزيد من القادة والقوى المحلية والمضي لتحقيق مزيداً من المحاسبة والشفافية .وقد تكللت جهود المحافظ في تشكيل قوة محلية بالتنسيق مع الحكومة ووزارة الداخلية. حيث انخفض معدل الجريمة بنسبة 70 % وفقا لمسؤولين محليين .في الوقت نفسه وبعكس المناطق الأخرى في اليمن ، فقد أعيد تشكيل النظام القضائي بشكل سريع في مأرب بعد طرد الحوثيين بالتزامن مع تأمين رواتب القضاة وحراستهم الشخصية. إن هذا التركيز على قدرات النظام والقانون الواضحة والمشروعة هو أمر أساسي لفهم الاستقرار الذي عم المحافظة حيث أن ثمار التغييرات واضحة بالفعل.

 

كما ساعد ضمان حصة من عائدات النفط والغاز في تحفيز التوسع في الخدمات الحكومية ، بالإضافة إلى تمويل دفع رواتب موظفي الحكومة. حيث تمكنت السلطة المحلية في مأرب نتيجة الاتفاق بين الحكومة المركزية والمحافظ العرادة من الاحتفاظ بنسبة 20 % من عائداتها من النفط والغاز، بدلاً من الاضطرار إلى تقديمها كلها إلى الحكومة المركزية كما كانت تفعل قبل عام 2011. وقد شكل هذا حافزاً هائلاً في عملية الازدهار الحالي في المحافظة ليس فقط بسبب تدفق المال ولكن أيضًا بسبب تمكين الاستقلالية بشكل أوسع .وكما هو متوقع فقد أظهر المسؤولون المحليون استعدادًا وقدرة على المشاركة في أعمال التطوير التي تحتاجها المحافظة ، بما في ذلك التحسينات التي طال تأجيلها في البنية التحتية للكهرباء والماء والنقل في مأرب. كما سمح ذلك أيضًا بأن تكون المحافظة الوحيدة التي تدفع باستمرار رواتب موظفي الدوائر الحكومية هناك مما ساعد بدوره في بناء الاقتصاد وخلق بيئة أكثر ملاءمة للمستثمرين.

 

الأهم من ذلك أن إجراءات بناء الثقة كانت العمود الفقري لكل هذا. وعلى عكس عدد من المسؤولين اليمنيين الذي يقيم عدد منهم خارج البلاد، يلتقي المسؤولون المحليون في مأرب بشكل منتظم مع ممثلي الأحزاب السياسية والجماعات القبلية في محاولة للتوصل إلى إجماع في اتخاذ القرار، وهو الشيء الذي كان المسؤولون والناشطون في المحافظة على حد سواء يعتبرونه عامل رئيسي في استقرارها الحالي. وقد جاء هذا في الغالب نتيجة الاستفادة من جوانب النظام القبلي السابق في مأرب بدلاً من محاولة إلزام النظام البيئي"الأيكولوجي" بالهياكل المنشأة حديثاً.

 

إن هذا لا يعني أن العرادة لا يخلو من الانتقادات حيث قد وجهت العديد من الاتهامات من قبل الأحزاب السياسية ضد المحافظ. وبغض النظر عن ذلك، فإن قدرته على الحفاظ على شعبيته الكبيرة والتي ظهرت ربما من خلال غياب مثل تلك الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي كانت تشهدها مناطق أخرى في اليمن قد ساعدته بلا شك في جهوده الإدارية.

 

كما أن العلاقات الدولية التي نجح فيها العرادة وإدارته في تطويرها تعتبر أيضاً عاملاً حاسماً في نجاحه. حيث سمح بروزه في قتال الحوثيين وحلفائهم ان يبني- معتمداً على علاقاته السابقة- علاقات مع شخصيات مهمه داخل السعودية والامارات التي تربطهما علاقات تاريخية قديمة مع قبائل مأرب. لم يتوطد هذا التعاون الوثيق إلا مع مرور الزمن لا سيما بعد قرار التحالف الذي تقوده السعودية بإقامة قاعدة بين صنعاء ومأرب في صافر شرق عاصمة المحافظة. وهذا ليس من قبيل المصادفة حيث تعتبر مأرب من بين المحافظات ذات الأهمية الاستراتيجية بسبب موقعها وسط اليمن والتي تشكل ملتقى طرق بين المملكة العربية السعودية والجبهات الرئيسية في المحافظات المجاورة مثل البيضاء والجوف وصنعاء والمناطق الجنوبية التي تم طرد الحوثيين منها مؤخراً. ويشكل هذا بالنسبة للعرادة والتحالف مصلحة مفيدة للطرفين حيث يستفيد الأخير الذي تقوده السعودية من مأرب كقاعدة عمليات آمنة بينما يساعد دعم التحالف للمحافظ في تعزيز استقرار المحافظة.

 

وقد استمرت شخصيات عسكرية وسياسية بارزة في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في الحفاظ على علاقات وثيقة مع المحافظ حتى بعد تحويل العرادة تركيزه من الصراع إلى حكم ما بعد الحرب وعلى الرغم من علاقاته الودية مع حزب الإصلاح. حيث لم يسهّل ذلك فقط جلب المساعدات ولكن وبحسب شهود عيان فقد أدى ذلك أيضًا إلى تحسين توزيع المساعدات. كما ساعد التنسيق الوثيق بين المسؤولين المحليين والمانحين الخليجيين على توجيه التمويل الخارجي المقدم من الخليج بشكل كبير نحو المشاريع الرئيسية بدءًا من تطوير المرافق الصحية وحتى دعم قوات الأمن التابعة للمحافظة. حيث منح ذلك أيضاً المحافظة اهمية كبيرة لدى الحكومة المعترف بها دولياً. ونتيجة لعلاقاته مع القيادات المهمة في التحالف فقد تمكن العرادة من تجاوز حالة الجمود الذي غالبا ما تتسم بها العلاقات مع الحكومة اليمنية مع التحالف.

 

"شاهد الطريقة التي تتعامل بها دول التحالف مع [العرادة]" ، يشير مسؤول في الحكومة المعترف بها دوليا مقارناً المحافظ مع مسؤولين آخرين في مناصب مماثله. "هناك مستوى واضح من الاحترام لأنهم يعتبرونه رجل دولة - وهذا هو المفتاح لنجاح مأرب".

 

وقد منحت هذه الثقة العرادة مساحة لتكريس الكثير من وقته للاضطلاع بمهمة الحكم بالإضافة إلى تقديم الحكم في مكان حيث تكون القوات المحلية في موقع القيادة نسبياً خلافاً للعديد من المناطق الأخرى في البلد حيث التحالف يقوم بدور مباشر بقدر أكبر.

 

وقد ألتفت مأرب إلى حد كبير حول العرادة بالمقارنة مع مناطق اخرى تم طرد الحوثيين منها و تشهد نزعة الطائفية. وهذا لا يعني عدم وجود توترات بشكل أو بآخر. لكن وبرغم ذلك فإن هذه التوترات تتضاءل مقارنة بتلك الموجودة في مدن أخرى.

 

الاستنتاجات و التوصيات

ان الصراع الحالي بعيد ما يكفي لأن يتمكن سكان عاصمة المحافظة من تبني سيناريو ما بعد الصراع بالرغم من استمرار القتال في صرواح ، غرب محافظة مأرب ، حيث أعقب إعادة البناء توسع حضاري ملحوظ. ويعود ذلك جزئياً نتيجة عوامل تنفرد بها مأرب التي تعتبر المحافظة الوحيدة في شمال اليمن التي تقع خارج سيطرة الحوثيين. إن مأرب لا تعاني أي نوع من التوترات المتعلقة بالمناطقية. وبإمكان المسؤولين الحكوميين من الشمال والمقيمين بالرياض القيام بزيارات مطولة لمأرب بصورة متكررة والتنقل بحرية نسبية على الرغم من وجود العديد من حالات الاعتقال خارج نطاق القانون بحق مواطنين تربطهم علاقات مزعومة مع الحوثيين. فيما يتعلق بالتجارة وتحديداً غاز الطبخ الذي ينتج في مأرب فأنه مستمر في العبور من المناطق التي تشهد اشتباكات إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون رغم المعارك المستمرة .بالإضافة الى مرور الحافلات من صنعاء ومناطق أخرى تحت سيطرة الحوثيين بشكل منتظم ودون أي حوادث. يحدث هذا على الرغم من حقيقة أن الحوثيين والسلطة المحلية في مأرب لا يزالا خصمين لدودين في ظل استمرار القتال في جبهتي صرواح ونهم وأطلاق الصواريخ على المحافظة في بعض الأحيان.

 

كل هذا يدل على المدى الذي ساهمه استقرار مدينة مأرب في تعزيز موقعها كمركز اقتصادي وليد. وفي المقابل ،كان الكثير من النجاح الذي حققته مأرب لاحقاً نتيجة الصراعات في بقية البلاد . فتدفق النشاط الاقتصادي والتنموي سيكون بالتأكيد أقل أهمية بكثير لو لم يكن هناك تدفق للنازحين والأثرياء من الخارج بالإضافة الى العملات النقدية.

 

ومع ذلك فإن استقرار مأرب يرتكز اساساً على قيادتها القديرة. حيث كانت الطريقة التي استفادت منها القيادة من اللامركزية والتي كان من المفترض أن تنتشر في كامل اليمن محورية في تحسن هذا الوضع .و قد شكل توفر ثروة كبيرة من الموارد الطبيعية أمراً جوهرياً إلا أن المنفعة المالية المباشرة قد تحققت فعلا بفضل الطريقة التي تفاوضت بها القيادة حول النظام الفيدرالي الجديد. حيث تم كل هذا بدعم قوي من الاطراف الخارجية وبالتحديد المملكة العربية السعودية التي اتبعت نهجًا ذو فاعلية أكبر من تلك المناطق الأخرى التي تعيش اضطراباً.

ونتيجة لذلك تم استخلاص ثلاثة دروس رئيسية يمكن للمناطق الاخرى في اليمن والمراقبين الدوليين الاستفادة منها.

 

الدرس الأول يكمن في أهمية تجنب تطبيق اللامركزية أو اجراءات تحقيق الاستقرار تنازلياً. وقد كانت الحكومة المركزية سابقاً قلقة من الزعماء الذين يتمتعون بشعبية كبيرة وكانت تنظر اليهم كتهديد محتمل. لكن برغم ذلك سيكون هؤلاء القادة عنصراً مهماً في عملية الاستقرار خاصة في ظل الانهيار النسبي للحكومة المركزية بعد أكثر من ثلاث سنوات من الصراع. إضافة إلى تحديد وتمكين القيادات المحلية ،يجب على الأطراف الفاعلة إشراك هذه القيادات ضمن عملية سياسية واسعة من أجل ضمان بقاء هذا مرتبطاً بالعمل الوطني .حيث يبدوا جلياً ان هناك تهديداً بتغذية المسار المحلي لصراعات متلاحقة وتشجيعه الانقسام دون وجود مظلة وطنية . وقد يكون النموذج المستقل الذي أظهرته مأرب واحداً من السبل القليلة لوضع إطار عمل يمكن أن يحافظ على البلد موحداً تحت راية واحدة حتى وإن كان مفكك حيث سيتطلب هذا إجراء توازن دقيق. لكن التوجه محلياً أمراً لا مفر منه حالياً إذا أريد للدولة ان تستقر. وبشكل أساسي يجب ألا تحاول أي صفقة سياسية مستقبلية عكس هذا المسار من خلال الترويج لمركزية جديدة بطريقة تغذي حالات استياء ومخاطر جديدة تنذر بمزيد من الانهيار. إن استقلالية مأرب الجديدة وجدت لتبقى حيث يجب أن تصبح نموذجًا للتطبيق في مكان آخر بدلاً من التراجع عندما ينتهي النزاع.

 

ويمثل هذا انفتاحًا محتملًا لأوروبا نظرًا لموقفها المحايد نسبيًا في الصراع والتواصل السابق لجهات أوربية بارزة بالأطراف خارج العملية السياسية مثل الشخصيات القبلية والانفصاليين الجنوبيين والشباب والنساء وفئات المجتمع المدني. وسيكون هذا سهلاً في مأرب الى حد ما نتيجة علاقات العرادة الإيجابية مع الحكومة المركزية. حيث يمكن للحكومات الأوروبية وبالتعاون مع الأمم المتحدة أن تسعى إلى تعزيز هذا المسار من خلال تسهيل المحادثات بين القيادات المحلية والأطراف المعنية الفاعلة في الوقت الذي تعمل فيه على تنفيذ المزيد من برامج المساعدة وتنفيذ مزيداً من برامج الاستقرار والمساعدة بشكل اللامركزية. كما يمكن للأوروبيين أن يجلبوا خبرات كبيرة إلى طاولة المفاوضات حول القضايا المتعلقة بالنظام الاتحادي"الفيدرالية" ويجب ان يقدم عبر الأمم المتحدة لتسهيل الجهود السياسية الحالية التي يمكن أن تساعد في ضمان سلام مستدام .ويوجد سابقة قوية في هذا حيث لا يزال زعماء القبائل يتذكرون عمل روبن مدريد رئيسة المعهد الديمقراطي الوطني اليمني السابق في مارب والمناطق المجاورة أوائل عام 2000 معربين عن تقديرهم لقيادتها في جهودها الرامية في تعزيز المجتمع المدني و الحكم المحلي والتنمية.

 

الدرس الثاني من مأرب يتعلق بأهمية النمو الاقتصادي المحلي وإعادة الخدمات في استقرار المنطقة. حيث أدى استقرار مأرب إلى ازدهارها الاقتصادي والذي أسفر بدوره في زيادة استقرار المحافظة وتوفير فرص عمل للمواطنين والوافدين الجدد على حد سواء. وفي نهاية المطاف ستكون هذه وسيلة رئيسية لاستعادة السلام حيث أظهرت العملية الانتقالية الفاشلة في الفترة 2011-2014 أن تجاهل المظالم الاقتصادية اليومية لأغراض تحقيق أهداف سياسية كبيرة يثير مخاطر تشجيع نزع غطاء الشرعية عن العملية السياسية الواسعة بين اليمنيين .لذلك ينبغي على الأوروبيين والأطراف الفاعلة الاخرى إعطاء الأولوية لجهود تثبيت الاستقرار سريعاً بعد نهاية الصراع واستعادة الخدمات وتحفيز النمو الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد بمجرد سماح الظروف بذلك. كما سيتطلب ذلك تمويلاً أكبر وجهود محلية أكثر مما يقوم به الأوروبيون حالياً لا سيما في المناطق الفقيرة التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية. لكن من الممكن بالفعل تكرار هذا المسار في مناطق أخرى في البلاد والتي دخلت فترة من الاستقرار مثل محافظات حضرموت والمهرة وشبوة. و ينبغي على الأوروبيين التركيز فوراً على جهود تحقيق الاستقرار سواء بشكل مباشر من خلال المعونات والاستثمار أو عن طريق تسهيل ذلك من خلال دعم البنية التحتية. كما يجب عليهم دعم حكومة شاملة واجراء حوار داخلي بالإضافة إلى دعم جهود المصالحة. إن مكاسب مأرب قد تكون كبيرة لكن طالما استمر الصراع فإنها تظل هشة ويجب حمايتها.

 

يتعلق الدرس الثالث بالدور الرئيسي المحتمل الذي يمكن أن يلعبه التحالف في تحقيق الاستقرار حيث يمثل هذا وسيلة للتعاون بين أوروبا والتحالف - وهو أمر يمكن أن يبني الثقة بين الطرفين والذي يمكن من خلاله تكرار هذا في أماكن اخرى. كما يمكن من خلال التعاون مع أوروبا والسعوديين والإماراتيين إعادة تكرار نموذج مأرب في أجزاء أخرى من البلاد من خلال تمكين القيادات المحلية وهياكل السلطة اللامركزية. ويجب عليهم كذلك الحرص على ربط ذلك بجهود الأمم المتحدة خاصة فيما يتعلق باستخدام الوسائل الاقتصادية والتنموية للمضي قدماً في المفاوضات السياسية الوطنية. وهذا صحيح بصفة خاصة فيما يتعلق بالسبل الرئيسية التي تراها جميع الأطراف مهمة خاصة لتسهيل النمو الاقتصادي والتنمية - حتى من خلال الخطوات التي تبدو بسيطة مثل برامج التمويل الأصغر - ومن خلال بناء القدرات التي تشمل قوات الأمن والإدارة المحلية وموظفي الحكومة. وبهذا الصدد ، يجب على الأوروبيين وخاصة المملكة المتحدة نظراً لعلاقتها الوثيقة مع الرياض أن يضغطوا على التحالف لكي يستفيدوا بالفعل من دروس مأرب وتطبيقها على نطاق أوسع. ولا يخفى على أحد أن الخلل الوظيفي وطبيعة التدخلات الدولية في اليمن أدت في الغالب إلى تفاقم مشاكل البلاد. وعليه يجب على جميع الأطراف الفاعلة في اليمن - بما في ذلك الأمم المتحدة وأوروبا والتحالف - أن يستخلصوا الدروس من مأرب. حيث يتطلب هذا بشكل جزئي من المملكة العربية السعودية أن تحول تركيزها بعيداً عن الشخصيات السياسية الموجودة في الرياض والاتجاه نحو أولئك الموجودين على أرض الواقع.

 

باختصار، برغم أن اليمن لا يزال في خضم أزمة اقتصادية حادة وصراع منهك إلا أن هناك نقاط مضيئة لحالة الاستقرار وبالأخص في محافظة مأرب. ورغم أن هذا معتمد جزئياً على العوامل المحلية إلا أنها نماذج محتملة لليمن التي هي في أمس الحاجة لمثل هذا.

 

كلمات دالّة

#مأرب