آخر تحديث:- منذ 03دقيقة
الثلاثاء 04 أكتوبر-تشرين الأول 2022

معقل اليمنيين الأخير
موقع السفير اللبناني يكتب: كيف غيّرت الحرب مأرب؟

الثلاثاء 30 يناير-كانون الثاني 2018 الساعة 09 مساءً / مأرب - ماجد المذحجي


ماجد المذحجي-السفير العربي-لبنان
23-11-2017

لا تبدو مأرب في تجليها الأول سوى تكثيف لليمن التي تقاوم الانتهاء. أحد آخر معاقل "الجمهورية اليمنية" بما هي دولة تخص كل المواطنين. ربما كان في ذلك منح قيمة للمكان أكثر من طاقته، لكن في ذلك ايضاً شيء من إحساس غامر يمكن ملاحظته فيها على الرغم من التحديات التي تقف في مواجهته، يُمنح اعتباره أيضاً من هذا التشدد التي تبديه تجاه "يمنيتها" أكثر من "مأربيتها"، بينما تلوذ وترتبك كل أماكن اليمن الأخرى بهويات صغرى وتعريفات ما قبل وطنية.


ولكنها علاوة ما سبق، ساحة أساسية في الحرب الحالية في اليمن. وهذا يربكها ويؤثر ويغير فيها. وكونها المحافظة التي تنطلق منها المعركة الأساسية التي تستهدف العاصمة اليمنية صنعاء، فهذا ينهكها، ويفاقم من مخاوفها، وينشئ مستويات قرار متعددة فيها، ويجعلها بالضرورة هدفاً لأطراف عدة ومحلاً لمصالح متنوعة.

 

تغيرات مأرب

تُصارع مأرب أعباء كثيرة، منها تصورات نمطية الصقت بها. فهي ليست سيف الشوافع وسوطهم في مواجهة الزيود، كما تمنى عليها الكثيرون في بداية الحرب، حين كان الكل يخسر أمام انفلات وتغطرس الحوثيين وتمددهم في كل أراضي اليمن. فهكذا اختصار لها يحجمها وإن كان بحكم الأمر الواقع أنه أصبح أحد أوجه تعريفها الضمنية. وهي تضخمت عن أن تكون موطن قبلي ذو هوية بدوية فقط، تتنافس على النفوذ فيه القبائل الكبرى والصغرى مثل مراد وعبيدة وجهم والجدعان وال طهيف وغيرهم، فهي بما استوعبته من وافدين ونازحين بأعداد هائلة من كل اليمن، أصبحت أحد مراكز الثقل الأربع، بجوار عدن وصنعاء وتعز (تشير تقديرات رسمية محلية في مأرب أن عدد سكان عاصمة المحافظة أصبح الآن، في أواخر 2017، مليون و 170 الفاً بعد ان كان قبل الحرب لا يتجاوز 40 ألف نسمة). وأمر اكتسابها لهذا الثقل في المكانة ليس رهين هذا التضاعف الهائل في عدد سكانها، بل بهذا الاختيار الجماعي لها كملاذ مطمئن وموقع متقدم لمقاومة انتكاسة اليمن الى طوائف وجهات.

 

تتغير مأرب بشكل كبير بفعل كل ذلك. فهي لم تعد المدينة الصغيرة التي تحيط بها كتل قبلية منكفئة على مشاغلها وعلى التنافس والقتال فيما بينها، أو أنها عالقة في البحث عن استحقاق خدمي لها مقابل كل تلك الموارد التي تُستنزف من أرضها. هي تتغير ديمغرافياً وسياسياً، وتنفتح على أدوار كبيره في اليمن في مقابل انكفاء مدن ومحافظات أخرى لأسباب عدة. ويؤسس الاستقرار والتماسك الأمني النسبي فيها قاعدة جيدة لصعودها، فهي أصبحت مدينة الفرص الاقتصادية المتصاعدة نتيجة هذا الاستقرار النسبي الذي يميزها.. ارتفعت أسعار الأراضي 500 في المئة على الأقل قياساً لأسعارها قبل الحرب، كما انتشرت مصانع الطوب ومحلات البناء، ولم يحدث تصادم بين أبناء محافظة مأرب المنتمين للقبائل وسكانها الجدد، كون هؤلاء الأخرين استقروا في المدينة بينما يسكن أبناء المحافظة في ريفهم والبلدات الصغيرة المحيطة بها، وهذا ما يقلل الاحتكاك بالضرورة ويفوت فرص الاحتقان.

محافظ مأرب القوي
في هذا التشكل الجديد لمأرب، يبرز بالضرورة محافظها الحالي، الشيخ القبلي البارز سلطان العرادة، كفاعل أساسي، فهو استطاع أن يدير تعقيداتها ويستوعب الضغوط عليها في فترة صعبة ومصيرية. وتكرس لذلك حضوره كقائد سياسي ذكي، لأسباب عدة منها الموارد الكبيرة في يده
إن هذه النفوذ السعودي في مأرب محمي بادراك أهميتها في إطار الحرب اليمنية، وكيف أن تعقيدات موقعها والتغيرات التي طرأت على دورها ستكون أساسية في صياغة مستقبل هذا الصراع وما ستصبح عليه اليمن. فأي ترتيبات لشكل اليمن القادم لا يمكن تجاوز ثقل ما تريده مأرب ــ وما حولها ــ منه، كما أن البأس الذي أبدته في الصراع ضد الحوثيين وصالح، بما هم يمثلونه في أحد المستويات، من تعبير عن طموح قبائل الشمال المهيمنة عادة في اليمن، يمكن أن يستثمر من قبل السعودية في تحجيم هذه القبائل الشمالية الموالية للحوثيين ومقاومة مطالبها.
السعودية غارقة في اليمن بشكل لا يمكن أن تنجو منه، فالبلاد خاصرتها الرخوة، ولهذا هي بحاجة لنقاط ارتكاز مستقرة فيها. وبينما خلقت هذه الحرب جروحاً لا يمكن تجاهلها مع من كانوا حلفائها سابقاً في شمال اليمن (صالح أساساً)، فمأرب ذات العصبية والهيبة يمكن ان تكون إحدى مرتكزاتها وتتكرس كحليف دائم ومهم.

 

مأرب الفرصة والتحدي

إن مأرب الصاعدة في مشهد اليمن الحالي تحصد ضعف الجميع وتعاني منه في الوقت نفسه، وهي تكثّف أعباء الحرب وامتيازاتها، وفيها يمكن رؤية كيف تغير ديناميات الصراع المسلح هوية المكان والتحديات أمامه. ولذلك فبعد أكثر من عامين ونصف من حرب وصلت إلى أطراف المدينة تماماً وما زالت تشتعل في مديرياتها وحدودها، يصبح مفاجئاً كيف تضخم المكان الصغير وأصبح مدينة كبيرة نسبياً وواعداً بالفرص الاقتصادية التي تأتي مرفقه بالاستقرار المعقول التي تعيشه. ولكن ذلك لا يخفي ايضاً التحديات والمخاوف في ظل استمرار الحرب ونمو المصالح المتصلة بها، واعباء معركة كبرى مستمرة تستهدف صنعاء، ويفترض ان تُحسم انطلاقاً من مأرب، علاوة على مطامع واسعة لا تغفل عن وفرة مواردها نسبياً، قياساً لشحتها في الأماكن الأخرى في اليمن.


*بتصرف عن موقع السفير اللبناني
نشر التقرير بتاريخ 23/11/2017م